كوركيس عواد
110
الذخائر الشرقية
« ثقافة تپه گورا » فإنما يقصد بها إحدى المراحل الخطيرة التي قطعها العراق في عهوده السابقة للتاريخ . تمدنا تپه گورا بسجل متسلسل مسهب بطبقات الاستيطان المتعاقبة . ونقصد ب « طبقات الاستيطان » أن هذا الموضع كان يوما ما سهلا كالذي يجاوره . ثم اندثر ما عليه من آثار السكنى ، فأقيم فوقه طبقة ثانية استوطنت . ثم اندثرت الثانية فعمّر فوقها الثالثة ، وهلم جرا . وعليه ، كلما زادت أدوار السكنى في التل زاد ارتفاعه . وهذا بخلاف ما يشاهد في كثير من المواقع الأثرية ، ولا سيما الإسلامية ، التي إذا ما اندثرت وأريد سكناها ثانية ، انتقل إلى ما يجاورها . فأدوار السكنى في تپه گورا كان يعلو بعضها بعضا ، بينما هي في المواقع الأخرى يجاور بعضها بعضا . والأمثلة على ذلك تفوق الحصر . إن تپه گورا ، تلقي ضوءا على أحوال حقبة طويلة من الزمن مداها 3500 سنة من مجموع المدة التي تقارب 7000 سنة ، تلك المدة التي تفصل ما بين عصرنا الحالي ونهاية العصر الحجري الحديث . تحتوي المستويات الثلاثة العليا من تپه گورا على آثار الحوريين ( الألف الثاني ق . م ) . أما المستويان 4 - 5 فيمثلان الدور الآشوري الأخير . بينما المستويان 6 - 7 يرتقيان إلى دور السلالات القديم في مفتتح الألف الثالث ق . م . وما تبقى من الطبقات يعود إلى ما قبل السلالات ، أي أنها طبقات مما قبل التاريخ . ويؤخذ من هذا ، أن گورا كان قد استوطنها البشر في عصر لم تكن فيه أسباب السكنى متيسرة بعد في جنوبي العراق . وقد توصلت البعثة الأثرية في موسم 1936 - 1937 ، إلى معرفة عدد مستويات السكنى في گورا . وإذا ما أضفنا الطبقات الخمس الأخرى لدور حلف التي اكتشفت في حفرة السبر التجربي هناك ، والطبقة الأخرى التي وعت آثار ما قبل حلف ، إلى العشرين طبقة التي تم التنقيب فيها من قمة التل إلى أسفله ، كان أمامنا ست وعشرون طبقة تمثل مراحل عديدة قطعتها البشرية في ما قبل التاريخ والأدوار التاريخية القديمة . فهي تمثل لنا بقايا مختلف الحضارات القديمة في العراق : كحضارة تل حلف ، والعبيد ، وسامراء ، والوركاء ، وجمدة نصر ، وحضارة فجر السلالات القديمة ، والحضارة الأكدية والآشورية القديمة والحورية . . . ثم ينقطع مجرى القصة عند هذه الحضارة القديمة ، ويتوقف توالي الطبقات في أعالي تپه گورا ، لأن هذا التل المخروطي الشكل ، أصبح كثير الارتفاع